الجمعة، 15 فبراير 2019

زبون من نوع خاص


    لعلّ أبرز معضلة تواجه مجتمعنا اليوم هي البطالة وما يترتب عنها من آفات اجتماعية، لكن بطالة الشغل أرحم من بطالة العقل، وبطالة الأجسام أرحم من بطالة الهمم، ولا شك أن الشاب رغم ما يعانيه من قلة الحيلة وندرة السيولة لا بد له ان يحافظ على القدر الأدنى من الكرامة يحفظ بها ماء وجهه أمام الآخرين...
ولعل هذا الموقف الطريف الذي شهدته في محل الحلاقة أبلغ من اي موقف اخر.
يكتسي محلّ الحلّاق في الجزائر أهمية خاصة في الأيام الاخيرة من شهر رمضان..يصبح فيها الحلّاق احدى الشخصيات المهمّة في البلاد والجزائريون يعرفون ذلك جيدا.
وأنا انتظر دوري في طابوري في محل صاحب "السّمو والمعالي" السيّد "حلّاق" مستفيدا من سفرية مجانية وفرتها لي الخرائط التي كان ينحتها الحلاق على رؤوسٍ ليست كالرّؤوس...فقد كانت اقرب اليها من الاطالس المزخرفة بخطوط الطول ودوائر العرض، لقد كان الحلاق خاصا في ذلك اليوم، فمن الزخرفة والنحت، إلى الطّلاء والدّهن، فقد كان يدهن خلطة خاصة بأنامله وهو يرتدي قفازات طبية على شعور " ضحاياه "...
    لقد مارس الحلاق ذلك اليوم أو هكذا يفعل في كلّ يوم كلّ ألوان الفنون والحرف إلّا الحِلاقةَ، على الأقل بالمفهوم التقليدي الذي أعرفها به وهو " قصّ الشّعر "... في خضم كل هذه الأحداث العجيبة كنت أنا الأعجب من بين الحضور في ذلك الطّابور بقصّة شعري العتيقة التي تعود الى سنوات مضت..
   كان الطابور طويلا لدرجة انني ارتحلت الى عدة قارات من مكانيَ ذاكَ، وكان أصحاب "الكيراتين" و"العقدة" يَتداولون الواحد تلو الآخر على كرسيّ المجــد، 
"مجــــد الشّْــــعَـــــرْ"...
وبينما أنا شارذُ الذهنِ مستغرب الوَضعِ أفاقني من شروذي شاب كان قد أتى عليه الدَّورُ من قبْلُ، وذهب لجلب ثمَن القصَّةِ من المنزِلِ، ونطق وَيا ليتَهُ لم يفعَلِ ، وَ أقنَبِسُ وَ يا ليتَنِي لم أقتَبسِ : ?? " Galek PaahPaah ch7al jatek "... اي: "قال لك بابا كم ثمن قصة الشعر" كان لحن قولته لطيفا جدّا لا يعبّر عن خشونة بشرته وسمرتها.. "..وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.."
قصة الشعر الحداثية تلك التي تُوعِز لك ان ذالك الشاب يتمتع باستقلالية تامة وشخصية قوية، لم تشفع له بشحت ثمنها من عند أبيه..هنالك فقط ادركت ان الأزمة الاجتماعية والاخلاقية أعمق ممّا هي بادية عليه بكثير وأنها تتطلب وقفة وامعانا اكثر لإدراك ابعادها وسبر اغوارها أكثر، فلربما تمكنا من استخلاص العبر وتدارك الاخطاء لمعالجتها ذاتيا بدءا بأنفسنا وأسرنا.
ح/م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق